الغزالي

12

الأربعين في اصول الدين

فإذا فهمت أن هذه الآلات أصول لا بدّ منها للحركة ، وأن الحركة لا بدّ من تقدرها ليتقدر ما يتولد منها ، فكذلك فافهم حصول الحوادث المقدر التي لا يتقدم منها شيء ولا يتأخر ؛ إذا جاء أجلهم ، أي حضر سببها . وكل ذلك بمقدار معلوم أن اللّه بالغ أمره قد جعل اللّه لكل شيء قدرا . فالسماوات والأفلاك والكواكب والأرض والبحر والهواء ، وهذه الأجسام العظام في العالم كتلك الآلات ، والسبب المحرك للأفلاك والكواكب والشمس والقمر بحساب معلوم ، كتلك الثقبة الموجبة لنزول الماء بقدر معلوم ، وإفضاء حركة الشمس والقمر والكواكب إلى حصول الحوادث في الأرض ، كإفضاء حركة الماء إلى حصول تلك الحركات المفضية إلى سقوط الكرة المعرّفة لانقضاء الساعة . ومثال تداعي حركات السماء إلى تغيير الأرض ، هو أن الشمس بحركتها إذا بلغت إلى المشرق فاستضاء العالم ، وتيسر على الناس الإبصار ، فيتيسر عليهم الانتشار في الاشتغال ؛ فإذا بلغ المغرب تعذر عليهم ذلك ، فيرجعوا إلى المساكن . وإذا قربت من وسط السماء وسامتت « 1 » رؤوس أهل الأقاليم حمي الهواء واشتد القيظ وحصل نضج الفواكه ، وإذا بعدت حصل الشتاء واشتد البرد ، وإذا توسطت حصل الاعتدال فظهر الربيع ، وأنبتت الأرض وظهرت الخضرة ؛ وقس بهذه للمشهورات التي تعرفها والغرائب التي لا تعرفها . فاختلاف هذه الفصول كلها مقدرة بقدر معلوم ، لأنها منوطة بحركات الشمس والقمر ، و الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ [ الرحمن : 5 ] ، أي حركتهما بحساب معلوم . فهذا هو التقدير . ووضع الأسباب الكلية هو القضاء . والتدبير الأول الذي هو كلمح البصر ، هو الحكم . وكما أن حركة الآلة والخيط والكرة ليست خارجة عن مشيئة واضع الآلة ، بل ذلك هو الذي أراد بوضع الآلة فكذلك كل ما يحدث في العالم من الحوادث ، شرها وخيرها ، نفعها وضرها ، غير خارج عن مشيئة اللّه تعالى ، بل ذلك مراد اللّه تعالى ولأجله دبر أسبابه . وتفهيم الأمور الإلهية بالأمثلة العرفية عسير ؛ ولكن المقصود من الأمثلة التنبيه ، فدع المثال وتنبه للغرض ، واحذر من التمثيل والتشبيه . الأصل السادس في السمع والبصر : وأنه تعالى سميع بصير ، يسمع ويرى : لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي ، ولا يغيب عن رؤيته مرئيّ وإن دق ، ولا يحجب سمعه بعد ، ولا يدفع رؤيته ظلام ، يرى

--> ( 1 ) سامتت : قابلت وقربت .